العيني
191
عمدة القاري
غير مرة ، وإسماعيل هو المشهور بابن أويس . ومن لطائف إسناده : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، والعنعنة في موضع ، وأن رواته كلهم مدنيون . وأخرجه : البخاري أيضاً في المغازي عن يحيى بن بكر ، وفي التفسير عن إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى عنه به . ذكر معناه : قوله : ( هؤلاء المعذبين ) ، بفتح الذال المعجمة : يعني ديار هؤلاء وهم أصحاب الحجر قوم ثمود وهؤلاء قوم صالح ، عليه السلام ، و : الحجر ، بكسر الحاء وسكون الجيم : بلد بين الشام والحجاز ، وعن قتادة فيما ذكره الطبري : الحجر اسم الوادي الذي كانوا به . وعن الزهري : هو اسم مدينتهم ، وكان نهي النبي إياهم بقوله : ( لا تدخلوا ) حين مروا مع النبي بالحجر في حال توجههم إلى تبوك ، وللبخاري في ( أحاديث الأنبياء ) عليهم الصلاة والسلام : ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) . وقال المهلب : إنما قال : ( لا تدخلوا ) من جهة التشاؤم بتلك البقعة التي نزل بها السخط ، يدل عليه قوله تعالى : * ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) * ( إبراهيم : 54 ) في مقام التوبيخ على السكون فيها ، وقد تشاءم بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة ، ورحل عنها ثم صلى ، فكراهية الصلاة في موضع الخسف ، أولى ، ثم استثنى من ذلك قوله . ( إلاَّ أن تكونوا باكين ) فأباح الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار ، وهذا يدل على أن من صلى هناك لا تفسد صلاته ، موضع بكاء واعتبار . وزعمت الظاهرية : أن من صلى في بلاد ثمود وهو غير باك فعليه سجود السهو إن كان ساهياً ، وإن تعمد ذلك بطلت صلاته . قلت : هذا خلف من القول إذ ليس في الحديث ما يدل على فساد صلاة من لم يبك ، وإنما فيه خوف نزول العذاب به . وقال الخطابي : معنى هذا الحديث أن الداخل في ديار القوم الذين أهلكوا بخسف وعذاب ، إذا دخلها فلم يجلب عليه ما يرى من آثار ما نزل بهم بكاء ، ولم يبعث عليه حزناً إما شفقة عليهم وإما خوفاً من حلول مثلها به ، فهو قاسي القلب قليل الخشوع غير مستشعر للخوف والوجل ، فلا يأمن إذا كان حاله كذلك أن يصيبه ما أصابهم ، وهو معنى قوله : ( لا يصيبكم ما أصابهم ) . وهو بالرفع لأنه استئناف كلام . وقال بعضهم : والمعنى فيه : لئلا يصبيكم . قلت : الجملة الاستئنافية لا تكون تعليلاً . وقال هذا القائل أيضاً : ويجوز الجزم على أن : لا ناهية وهو أوجه . قلت : هذا مبني على صحة الرواية بذلك . وقوله : وهو أوجه ، غير موجه ، لأنه لم يبين وجهه ، وفي لفظ البخاري : ( أن يصيبكم ) ، بفتح همزة : أن ، وفيه إضمار تقديره : حذر أن يصيبكم ، أو خشية أن يصيبكم . وقال الكرماني : فإن قلت : كيف يصيب عذاب الظالمين لغيرهم ، * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الأنعام : 461 ، الإسراء : 51 فاطر : 81 ، الزمر : 7 ، النجم : 83 ) قلت : لا نسلم الإصابة إلى غير الظالم . قال تعالى : * ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) * ( الأنفال : 52 ) وأما الآية الأولى فمحمولة على عذاب يوم القيامة ، ثم لا نسلم أن الذي يدخل موضعهم ولا يتضرع ليس بظالم ، لأن ترك التضرع فيما يجب فيه التضرع ظلم . ذكر ما يستنبط منه : فيه : دلالة على أن ديار هؤلاء لا تسكن بعدهم ولا تتخذ وطناً لأن المقيم المستوطن لا يمكنه أن يكون دهره باكياً أبداً ، وقد نهى أن يدخل دروهم إلاَّ بهذه الصفة . وفيه : المنع من المقام بها والاستيطان . وفيه : الإسراع عن المرور بديار المعذبين ، كما فعل رسول الله في وادي محسر ، لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك . وفيه : أمرهم بالبكاء لأنه ينشأ عن التفكر في مثل ذلك ، وقال ابن الجوزي : التفكر الذي ينشأ عنه البكاء في مثل ذلك المقام ينقسم ثلاثة أقسام : أحدها : تفكر يتعلق با تعالى إذ قضى على أولئك بالكفر . الثاني : يتعلق بأولئك القوم إذا بارزوا ربهم الكفر والفساد . الثالث : يتعلق بالمار عليهم لأنه وفق للإيمان وتمكن من الاستدراك والمسامحة في الزلل . وفيه : الدلالة على كراهة الصلاة في موضع الخسف والعذاب ، والباب معقود عليه . 45 ( ( بابُ الصَّلاَةِ في البِيعَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الصلاة في البيعة ، بكسر الباء الموحدة : معبد النصارى ، والكنيسة : معبد اليهود ، فإن قلت : إذا كان كذلك فكيف عقد الباب للصلاة في البيعة ، والمذكور في الحديث هو الكنيسة ؟ قلت : عقد الباب هكذا على قول من لم يفرق بينهما ، فإن الجوهري قال : الكنيسة والبيعة للنصارى ، ويقال : البيعة صومعة الراهب ، ذكره في ( المحكم ) ويقال : البيعة والكنيسة للنصارى ، والصلوات لليهود ، والصوامع للرهبان . وقال الداودي : البيع لليهود ، والصلوات للصابئين . وقيل :